عفيف الدين التلمساني
204
شرح مواقف النفري
وينعمون ويتنعمون ويرون النهار سرمدا ذلك يومي ويومي لا ينقضي ) . قلت : اعلم أيدك اللّه أن معنى هذا التنزل ليس إلا إشارة إلى ما يتجدد لأهل الشهود الذاتي لا على ما يسبق إلى أفهام الذين لا خبرة لهم بمعاني التجليات فأول ذلك قوله : « أفل الليل » أي زالت شدة ظلمة الحجاب ، « وطلع وجه السحر » وهو البرزخ بين الكشف والحجاب ، « وقام الفجر على ساق » أي زالت الثنوية في شهود ولي اللّه تعالى ، « فاستيقظي أيتها النائمة » يعني اللطيفة الإنسانية التي كانت مغمورة بالحجب ، ونومها هو جهلها . قوله : « إلى ظهورك » معناه أنه ما تجلى عليك غيرك ، وهو قولهم : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم . قوله : « وقفي في مصلاك » : يريد بالمصلى هنا خلاف ما يفهمه العباد ، وذلك أن المصلّى عند العباد هو مكان الصلاة ، وأما عند أهل التجليات فهو عبارة عن ملاحظة العبد عند توجهه إلى ربه تعالى أنه لا شيء ، وأن القوة التي بها تكون الصلاة هي قوة اللّه تعالى . قال سبحانه : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : الآية 165 ] فيكون العبد في حالة الصلاة فارغا من نفسه ، ذاهلا عن حسه ، فكأنه عدم ، فهذا هو مصلّى العارف ، وهذه الحالة هي التي تستدعي من الحق تعالى تجليه لأهله الذين قد أقامهم في مصلاهم وهو شهودهم معنى الآية التي هي هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) [ الإنسان : الآية 1 ] . قوله : « فإنني أخرج من المحراب » أي من تلقاء وجه هذا المصلى وهو المحراب والذي هو تلقاء وجه المصلى هنا إنما هو العدم ، وذلك هو اضمحلال الرسم الذي ذكره بعد وهو قوله وإنما يتعين الحق عند اضمحلال الرسم أي عند انعدام الرسم . قوله : « فليكن وجهك أول ما ألقاه » أي وجه حقيقتك العدمية ، وذلك أن حقيقة كل موجود غير اللّه تعالى إنما هو تعين ما والتعين أمر عدمي ، وإنما وجود المتعين هو للّه تعالى ، والعدم لا يتركب معه الوجود ، فما ثم إلا وجوده تعالى ، وهذا كلام واضح لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد ، فهذه النسبة العدمية هي وجه العبد ، وهو إخلاء الوجود من غيره تعالى . قال بعض شيوخ العجم : « خرگاه وجود خود ز خود خالى كن تا چون خالي شد شاه بخرگاه آيد » .